عندما أعطى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الحكومة مهلة شهر ونصف للقيام بالمطلوب منها، بالتفاوض والإتفاق مع البنك الدولي، والإلتفات لقضايا النّاس المعيشية ومعالجة الأزمات الإقتصادية الخانقة، وعندما طالبها كثيرون غيره خلال الأيّام القليلة الماضية بضرورة إيلاء القضايا الحياتية الإهتمام سريعاً، وبأنّه لا يفترض بها معالجة المعضلات الهائلة التي يرزح تحتها اللبنانيون وكأنّ الأمور تسير بشكل طبيعي، وأنّها ليست “حكومة إنقاذ”، فإنّ ذلك يعني أنّ على الحكومة التنبّه من أنّ التأخّر في معالجة الملفات الساخنة معيشياً لا يصبّ في مصلحتها.

وإذ تدرك الحكومة جيداً أنّ من يعملون على عرقلة عملها والرهان على فشلها أكبر من داعميها ومؤيديها، فإنّ ذلك يفترض به أن يُشكّل لها حافزاً من أجل القيام بشيء ما من أجل مساعدة السواد الأعظم من المواطنين الذي أصبحوا فقراء ومعدمين، على مواجهة الضائقة المعيشية التي تطبق على رقابهم، وتطوّقهم من كلّ حدب وصوب.

عندما أُعلن عن ولادة الحكومة في 10 أيلول الماضي، تفاءل كثيرون ووضعوا آمالاً في أن تسهم الحكومة ـ على الأقل ـ بوضع حدّ للتدهور الحاصل على كلّ المستويات، إذا كانت لا تستطيع معالجة المشاكل البنيوية العميقة التي يعاني منها لبنان على كلّ المستويات، إقتناعاً منهم أنّ إيقاف الإنهيار أفضل من إستمراره الكارثي، ولأنّ قدرات الحكومة والبلد على معالجة مختلف الأزمات يحتاج إلى سنوات، وإلى إمكانات ودعم خارجي ليسا متوافرين حالياً.

عندما تنظر الحكومة حولها تجد أنّ فترة الشهر وبضعة أيّام التي مرّت منذ تأليفها في 10 أيلول الماضي لم تسهم في دفع الأمور نحو الأفضل، ولا لجم الإنهيار. فلمّا يتجاوز سعر صرف الدولار أمس عتبة 20 ألف ليرة بعدما كان يوم تشكلت الحكومة 19 ألف ليرة ثم تراجع دراماتيكياً إلى حدود 14 الف ليرة قبل أن يعاود الإرتفاع بغرابة، كان على الحكومة أن تدرك أمرين: الأول أنّ الاقتصاد الوطني هو في حالة من التفكّك تحتاج إلى أيّ معالجات سريعة، والثاني أنّ المضاربين بالعملة الوطنية يفترض وضع حدّ لهم، بعدما قدّموا مصالحهم الضيقة على أي مصلحة عامّة.

تراكم المشكلات الإقتصادية والمعيشية جعل الحكومة ترزح تحت ضغوط هائلة، ما يعني أنّ الوقت لا يعمل لمصلحتها، وأنّ عليها أن تبادر إلى تقديم واجتراح حلول ولو آنية ومؤقّتة، من إرتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية، إلى الإرتفاع الهائل لأسعار المحروقات الذي جعل أغلب الموظفين يرفضون الذهاب إلى وظائفهم والعمّال إلى أعمالهم بعدما باتت تكلفة بدل النقل تساوي أجورهم أو تزيد، وأزمات الطبابة والأدوية والكهرباء وغيرها.

هذه الأزمات ستضاغف من الضغوط على الحكومة، مع إنطلاق العام الدراسي المحمّل بأزمات لا تعدّ ولا تحصى، وقدوم فصل الشتاء وعدم قدرة العائلات على تأمين حاجياتها من أدوات التدفئة، من المازوت إلى الغاز والحطب وصولاً إلى الكهرباء.

المهام ثقيلة جدّاً على الحكومة، لكنّ فترة السماح المعطاة لها بدأت تضيق، والفرص أمامها أكثر من سانحة كي تحقق إنجازات تنتشل البلد من القعر الذي وصل إليه!..